عبد الكريم الخطيب

466

التفسير القرآنى للقرآن

الحق الذي تلوح أماراته لأعينهم ، ثم إنهم إذا بصّروا به ، وأبصروه ، لم يتقبلوه ، واتهموا أنفسهم ، وارتابوا في معطيات أبصارهم ، وقالوا كما ذكر القرآن : « إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ » ( 15 : الحجر ) . فهذا الحمد الذي ينطق به الوجود كله ، تسبيحا ، وولاء للّه ، لا يدرك المشركون دلالته ، لأنهم لا يعقلون ما ينبغي للّه من تنزيه عن الشريك والولد . قوله تعالى : « وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . إن الذي يغطّى على أبصار هؤلاء المشركين ، ويعمّى عليهم الطريق إلى الحق ، هو اشتغالهم بهذه الدنيا ، وتنافسهم على متاعها ، واستهلاك أنفسهم في الجري اللاهث وراء لذاذاتها وشهواتها . ولو أنهم تخففوا قليلا من تعلقهم بالحياة ، ونظروا إليها على أنها طريق إلى حياة أخرى ، أخلد وأبقى - لو أنهم فعلوا هذا لكان شأنهم مع آيات اللّه وكلماته ، غير شأنهم هذا ، ولوجدوا لدعوة لرسول آذانا تسمع ، وعقولا تعقل ، وقلوبا تتقبل ما تعقله العقول . . ولهذا جاء قوله تعالى : في هذه الآية ، كاشفا عن حقيقة دنيا المشركين هذه ، التي فتنوا بها ، وسكروا من خمرها . فما هي في حقيقتها إلا لهو ولعب ، لا يشغل نفسه بها إلا لاعب لاه ، شأنه في هذا شأن الصغار ، الذين يعيشون لساعتهم ، في مرح معربد ، ولهو صاحب ، غير ملتفتين إلى أي شئ وراء هذا . وقوله تعالى : « وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ » - هو عرض للجانب الآخر من حياة الإنسان ، وهو الجانب الحق ، الجدير بأن يلتفت الإنسان